محمد أبو زهرة

212

المعجزة الكبرى القرآن

في النغم ، اقرأ قوله تعالى : هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ ( 1 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ ( 2 ) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ ( 3 ) تَصْلى ناراً حامِيَةً ( 4 ) تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ ( 5 ) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ( 6 ) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( 7 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ ( 8 ) لِسَعْيِها راضِيَةٌ ( 9 ) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ ( 10 ) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً ( 11 ) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ ( 12 ) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ( 13 ) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ ( 14 ) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ ( 15 ) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ( 16 ) . [ الغاشية : 1 - 16 ] تجد في هذه النصوص وصفين لأمرين متباينين ، أولهما وصف الجحيم وأصلها وتجد فيه الألفاظ والمعاني والنغم ، كله يلقى بالألم في النفس والخوف من العذاب الشديد ، والمصير العتيد . والثاني وصف النعيم وأهله ، وترى فيها الراحة ، والاطمئنان والقرار ، والسعادة ، ويشترك في هذا ألفاظ وجمل ومعان ، ونغم حتى كأنك ترى لا تسمع . 123 - وإن كان الكلام الذي يتسم بالبلاغة لا بد أن يكون فيه التلاؤم ، والتلاؤم ضد التنافر ، وعرفه الرماني ، فقال : « التلاؤم نقيض التنافر ، وهو تعديل الحروف في التأليف ، والتأليف متنافر ، ومتلائم في الطبقة الوسطى ، ومتلائم في الطبقة العليا ، ثم يضرب الأمثلة على التنافر الذي هو ضد التلاؤم ، ثم يذكر أن التلاؤم الذي يكون في الدرجة الوسطى هو التلاؤم الذي يكون في كلام البلغاء وأهل الفصاحة من الناس ، أما التلاؤم في الطبقة العليا ، فإنه لا يكون إلا في القرآن الكريم ، ويقول في ذلك رضى اللّه عنه . « والمتلائم في الطبقة العليا في القرآن كله وذلك بين لمن تأمله ، والفرق بينه وبين غيره من الكلام في تلاؤم الحروف على نحو الفرق بين المتنافر والمتلائم في الطبقة الوسطى ، وبعض الناس أشد إحساسا بذلك وفطنة له من بعض ، كما أن بعضهم أشد إحساسا بتمييز الموزون في الشعر من المكسور ، واختلاف الناس في ذلك من جهة الطباع كاختلافهم في الصور والأخلاق ، والسبب في ذلك تعديل الحروف في التأليف فكلما كان أعدل كان أشد تلاؤما » . ويستفاد من هذا الكلام أنه يرجع السبب في علو التلاؤم في القرآن كله إلى التعديل بين الحروف بأن تكون الحروف متلاقية في النطق ، فليس فيها تباعد في المخارج شديد ، بحيث يصعب الانتقال من مخرج إلى مخرج ، ولا التقارب الشديد الذي يجعل بعض الحروف يندغم في بعض . وإن ذلك ينطبق على النطق ، فالتعديل في المخارج بالبعد عن الاختلاف الشديد أو القرب الشديد ، إنما هو يتعلق بالنطق وإنك بلا ريب تجد ألفاظ القرآن الكريم وجمله بعيدة عن هذا كل البعد ، بل إنه المثل الأعلى في ذلك .